أحمد بن ابراهيم بن الزبير الثقفي الغرناطي

12

ملاك التأويل

السؤال الرابع : ما وجه كون الوارد من حمده في الخواتم والانتهاءات لم يطرد فيه ما أطرد في افتتاح هذه السور من اختلاف التوابع بل جرى على أسلوب واحد فقال سبحانه : " فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين " وقال تعالى : " وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين " وقال تعالى : " وقضى بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين " وقال تعالى : " وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين " فورد هذا مكتفي فيه بوصفه سبحانه بأنه رب العالمين والجواب عن السؤال الأول : بعد تمهيده وهو أن نقول أن قوله تعالى : " الحمد لله " مبتدأ وخبر وكذلك قوله : " فلله الحمد " وتأخر في هذه الثانية المبتدأ ، والحاصل في الموضعين معنى واحد وهو حمده سبحانه بما هو أصله . ومعلوم أن التقديم والتأخير فيما بين المبتدأ والخبر إذا لم يقع عارض مما يعرض في التركيب ، ككون المبتدأ مما يلزم صدر الكلام ، أو كون الخبر كذلك ، فيلزم تقديم ما له الصدرية إلى غير ذلك من العوارض وهى كثيرة ، فما لم يعرض عارض يوجب لأحدهما التقديم أو التأخير فتقديم أيهما كان وتأخير الآخر عربي فصيح ، إلا أن مرتبة المبتدأ التقديم ليبنى عليه الخبر ، فتقديمه عند عدم العوارض اللفظية أولى كما في القرآن . وإذا وضح هذا فللسائل أن يقول : ما الموجب لتقديم الخبر على المبتدأ في سورة الجاثية ؟ وهل كان يسوغ عكس الواقع ؟ والجواب : أن العوارض الموجبة لتقديم ما مرتبته التأخير وتأخير ما مرتبته التقديم ليست منحصرة في جهة التركيب اللفظي ، بل قد يعرض من جهة المعنى . وتقدير الكلام ما يقتضى ذلك ويوجبه . وإذا تقرر هذا فنقول : إن قوله تعالى : " فلله الحمد " ورد على تقدير الجواب بعد إرغام المكذب وقهره ووقوع الأمر مطابقاً لأخبار الرسل عليه السلام ، وظهور ما كذب الجاحد به ، فعند وضوح الأمر كأن قد قيل لمن الحمد ومن أهله ؟ فكان الجواب على ذلك فقيل : " فلله الحمد " . نظير هذا قوله تعالى : " لمن الملك " ؟ ثم قال : " لله الواحد القهار " ، ألا ترى تلاقى الآيتين فيما تقدمهما فالمتقدم في سورة غافر قوله تعالى : " لينذر يوم التلاق يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شئ " . فعند ظهور الأمر للعيان ومشاهدة ما قد كان خبراً قيل لهم : " لمن الملك اليوم " . وتقد في سورة الجاثية قوله تعالى : " وبدا لهم سيئآت ما عملوا " الآيات . وإنما ذلك يوم التلاقي والعرض عليه سبحانه فعند المعاينة وزوال الارتياب والشكوك كأن قد قيل لهم : لمن الحمد ومن أهله ؟